سيد محمد طنطاوي
573
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قالوا : والسدان هما جبلان من جهة أرمينية وأذربيجان ، وقيل هما في نهاية أرض الترك مما يلي المشرق : * ( وَجَدَ مِنْ دُونِهِما ) * أي : من دون السدين ومن ورائهما * ( قَوْماً ) * أي : أمة من الناس لغتهم لا تكاد تعرف لبعدهم عن بقية الناس ، ولذا قال - سبحانه - . * ( لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) * أي : لا يكاد هؤلاء القوم يفهمون أو يقرؤن ما يقوله الناس لهم ، لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم ، ولا يعرف الناس - أيضا - ما يقوله هؤلاء القوم لهم ، لشدة عجمتهم . * ( قالُوا ) * أي : هؤلاء القوم لذي القرنين : * ( يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ) * . ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، قيل : مأخوذان من الأوجة وهي الاختلاط أو شدة الحر : وقيل : من الأوج وهو سرعة الجري . واختلف في نسبهم ، فقيل : هم من ولد يافث بن نوح والترك منهم . وقيل : يأجوج من الترك ، ومأجوج من الديلم . أي : قال هؤلاء القوم - الذين لا يكادون يفقهون قولا - لذي القرنين ، بعد أن توسموا فيه القوة والصلاح . . يا ذا القرنين إن قبيلة يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض بشتى أنواع الفساد والنهب والسلب . وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش - رضى اللَّه عنها - قالت : استيقظ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول : « لا إله إلا اللَّه ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق - بين أصابعه - قلت : يا رسول اللَّه ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث « . وقوله - تعالى - * ( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ سَدًّا ) * حكاية لما عرضه هؤلاء القوم على ذي القرنين من عروض تدل على ثقتهم فيه وحسن أدبهم معه ، حيث خاطبوه بصيغة الاستفهام الدالة على أنهم يفوضون الأمر إليه . والخرج : اسم لما يخرجه الإنسان من ماله لغيره . وقرأ حمزة والكسائي خراجا : وهما بمعنى واحد ، وقيل الخرجة : الجزية . والخراج : اسم لما يخرجه عن الأرض . أي : فهل نجعل لك مقدارا كبيرا من أموالنا على سبيل الأجر ، لكي تقيم بيننا وبين قبيلة يأجوج ومأجوج سدا يمنعهم من الوصول إلينا . ويحول بيننا وبينهم ؟